وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ

Monday, June 25, 2007

قبل العاشرة


لم يكن في وسعه التراجع بعد أن أعلن حظر التجوال قبل وصوله إلي منزله
يقفز بين الأطلال المتهدمة محاولا تفادي دوريات جنود الاحتلال وهم يبحثون في وحشية عمن هم مثله ممن فاتهم حظر التجوال
وبينما يتنقل كالقط الحذر استولت علي عقله فكرة واحدة
يجب أن يكون في منزله قبل العاشرة....يجب
يسمع دوي الرصاصات ينطلق في ذلك الحي قرب منزله..يتوقف قليلا لالتقاط أنفاسه وهو يراقب خلايا المقاومة تقاتل في شراسة..
مهما حدث... يجب أن يكون في منزله قبل العاشرة....
شعر بتلك الحركة الخافتة من خلفه..التفت في ذعر ليجد صديقه يشير له بالصمت ويشير له كي ينتقل إلي ذلك المبني المقابل..
ليل يسبغ بظلامه علي بلدة اعتادت ظلام الاحتلال والقهر..أطلال بيوت كانت قبلا عامرة بابتسامة ذابلة تحاول تمزيق أطواق الحزن التي تحاصرها..رصاصات تنطلق...أصوات المقاتلين تقترب مع اقترابهما
أكثر من ثمان وعشرين عاما لم يخذلها يوما
أكثر من أربعين عاما وهم أصدقاء لم يفترقا
وذلك الشعور الممض بأنه لن يراهما ثانية
أفاق من شروده علي ذلك الجندي الذي يصرخ بالعبرية في غضب وهو يشير إليهما نافذة المنزل المتهدمة..إنها الحرب..قد تثقل القلب..لكن خلفك عار العرب..لا تصالح ولا تتوخي الهرب
يجب أن يكون في منزله قبل العاشرة...
رصاصات الجندي تمزق صدر صديقه..يقفز علي الدرجات الحجرية في غضب..يشهر سكينا وهو يتلو الشهادتين..يراها تبتسم ابتسامتها الطفولية الفرحة إذ لا تراه وهو يقاتل لأجلها...يبيد ذلك الجيش الذي أبعده عنها ..تصيبه الرصاصات وهو يعدو فلا يتوقف..صورتها ماثلة أمامه وهي تتناول الحلوى..يحرر أرضه...يسترجع كرامته....تغرقه الدماء فلا يبالي...وبآخر أنفاسه يغمد سكينه في عنق ذلك الجندي.

**********************************


يقبض علي ذلك الملف وهو يزم شفتيه مانعا دمعة تحاول اختراق جدار عزيمته فتتوقف عاجزة علي مقلتيه.
لم يفشل بعد...انه لم يفشل بعد
لن ينتهي العالم لأنه لم يقبل في تلك الشركة علي الرغم من أحلامه التي تفتتت بكلمات ذلك الصارم الملامح الذي اخبره بأنه غير مؤهل للعمل..لا يملك الخبرة الكافية..لم يستمع إلي باقي كلماته وربما التفت وغادر الشركة وتركه قبل أن يكمل غرق في عالم ثنائي الأبعاد من الصور صوته الصمت...في صمت غادر مقر الشركة...في صمت استقل سيارة أجرة إلي موقف سيارات أجرة الأقاليم ليعود إلي بلدته..يسود الصمت داخل رأسه فلا يستمع سوي همهمات متداخلة من الآخرين
ولا يوم خفنا شئ يتعبنا ولا خفنا الزمان يغلبنا ولا يوم قلنا حتي ندمنا لو راح اللي راح
ابتسم وهو يستمع إلي تلك الجملة في مشغل الأغاني الذي وضع سماعته بأذنه بينما سيارة الأجرة تطوي الطريق المظلم إلي بلدته..مرارة ابتسامته غلبت إرادته فانحدرت تلك الدمعة الحارقة علي وجهه...انه لم يفشل بعد..مازال الطريق أمامه طويلا ويوما ما سيجد منعطفه الخاص الذي يثبت للجميع انه لم يفشل..أغمض عينيه فقط ليري ابتسامتها المطمئنة تنفذ إلي داخل روحه وتمنحه سكينة وهدوء.
**********************************

تجلس في غرفتها الصغيرة تنظر لساعتها في قلق
ترفع هاتفها المحمول محاولة الاتصال به...تنتظر ثوان ..تنتهي كما انتهت سابقتها...صفير طويل ينم عن عدم الرد
لم تشعر بارتياح كبير عندما اخبرها بسفره للتقديم في تلك الشركة الكبري التي فتحت فجأة باب التعيينات شرط أن تجتاز المقابلة الشخصية
لكنها لم تخبره
فرحته وإصراره الشديد جعلتها تتحمس للأمر خاصة وهي تعلم انه ليس من ذلك النوع الذي يستطيع الجلوس لفترة طويلة بدون عمل
اخبرها قبل سفره بان تعد عدتها لاحتفال ضخم بعد أن يعود..ابتسمت حين شبهته بطوفان جارف فابتسم وقال لها انه لذلك لن يستمع لأي أسباب للرفض لأنه لن يقبل أساسا بأي رفض
تنهدت
تحاول ثانية ...ترتجف أيديها وهي تحمل الهاتف..تحجرت دموعها في مقلتها وهي تشعر بيد باردة تعتصر قلبها...لن يجيب...انه يتعمد ألا يجيب...
حتي وان لم يلتحق بتلك الشركة كيف يكون أنانيا لهذه الدرجة؟
هل طاوعه قلبه بان يري اسمها علي شاشة هاتفه فلا يجيب؟
ألا يعلم أنها تحيا بأنفاسه ونبضات قلبه؟
كانت تعلم انه رسم الكثير من الأحلام بعد عمله في تلك الشركة الكبري..كانت تعلم انه قاتل كثيرا من اجلها وأحلامهما...لم يحدث من قبل أن كان مسافرا ولم يطمئنها عليه...لم تعلم عنه شيئا منذ دخوله الشركة
اخبرها بأنه سيعود قبل العاشرة ويحكي لها تفصيلا عما حدث..لم يخذلها يوما..لم تستطع الانتظار للعاشرة..انه لا يرد...لا يرد
دوي الصراخ في الشقة المجاورة فجأة فلم تحتمل..ألقت هاتفها المحمول بعيدا وأجهشت بالبكاء

**********************************

طبيبة طفولية الملامح تكره الموت
ولأنها هربت من الموت يوما....ولأنها طبيبة مقيمة في قسم الحالات الحرجة فإنها تري الموت يوما بعد يوم
يوما بعد يوم كان يأسها يعلو ويعلو كجبل عال يزهق أنفاسها
تفكر في جدوى أجهزة الإعاشة والإفاقة والمجهود إذا تحددت نهايتهم مسبقا
كثيرا ما حذرها أساتذتها من التعلق بالمرضي خاصة الميئوس حالتهم..
ولكنها لم تستمع..كل مريض كان له قصة
ابن احدهم...أخ احدهم..أب احدهم...زوج احدهم
تري اقرب أقربائه يزوره يوميا عله يفيق أثناء زيارته...
وهي تتحمل وتتحمل
تخفي بكائها ويأسها أمامه وتبتسم مشجعة
لكنها لم تعد تحتمل...مراها لذلك الشاب الذي أتي منذ دقائق معدودة ..شاب تحولت أحلامه وطموحاته إلي رقم في حجرة في قسم الحالات الحرجة بسبب جشع سائق همه جني الكثير من المال فلم ينل كفايته من النوم ...شاب كان يقبض علي ملف ورقي به أوراق ومسوغات تعيينه بيمينه وبيساره هاتف محمول يدق بلا انقطاع....ربما لترحمه من عذاب لن يشعر به ...وربما يشعر به..أفكارها المختلطة قادتها إلي حجرته ..تمد يدها لتفصله عن أجهزة الإفاقة..تدمع عيناها...لم تعد تتحمل..لم تعد تستطع..قهرها ضعفها فأخذت تعدو باكية حتي وصلت إلي حجرتها في حجرة الطوارئ وجسدها يرتجف
حتي التلفاز الصغير في حجرتها ينقل لها أخبار القتال والصراع في وطنها ..تحول وطنها من قضية دولية إلي خبر بسيط في شريط الأخبار يحكي عن وفاة احد المدنيين ونقل الآخر إلي قسم الحالات الحرجة بعد إصابات شديدة..تنهدت ونظرت للساعة..دقائق قبل العاشرة..مازال أخيها قادر علي ألا يخذلها طوال إقامتها بعيد عن الأراضي المحتلة لم ينس يوما عيد ميلادها...وبالرغم من أي شئ فمازالت تلك الطفلة التي تأكل الحلوى التي تحتاج إلي صوته المفعم بالرجولة والطمأنينة والأمان ..









17 comments:

maha said...

سلام عليك يا احمد
...
ساعات بتكون اللحظة غالية اوي ..بتفرق بين حزن و فرحة ..بين ياس و امل ..بين موت و حياه
ساعات بيكون الانسان حاسس بالخطر بس حاجة بتمنعه جواه انه يتكلم ..انه يحذر ..انه يقول لا
....
التداخل في القصة جميل اوي
بس اللي تعبني اوي الالم في القصة ..الم زود من خوفي ..
ممكن لما حد يتستني كلمة تطمنه يحس ان حياته متعلقة بالكلمة دي و في حالة البوست ..مكالمة تليفون هي اللي فيها حياه شخصيات و ابطال و موتهم
...
مركزتش في الابطال الفلسطنيين بالرغم من ان كل قصة بيكون فيها شي من الثورة او فلسطين بكون متعايشه معاها ...لكن المرة دي اخدني الشاب و الفتاه ...
"تعلم انه قاتل كثيرا من اجلها وأحلامهما"
لكنها "تشعر بيد باردة تعتصر قلبها"
حسيت انها حست باللي حصل له ...و انه لما كان حتي و هو في غيبوبة مش عايز يسيب الفايل ..انه مصمم انه هينجح و مش هيرجع مكسور
...
اتمنيت لو كانت النهاية غير الحزن ...لكن في الحزن جمال احيانا ...بس جمال مكسور ..مجروح ..كلما زاد في الحزن الجمال كلما كان قاسي علي من يشعر به ...
جميلة اوي يا احمد و فعلا عودة قوية مع المدونة بعد غياب

سلام
مها

35L said...

موضوع هايل.....حقيقى أكثر من رائع

hesterua said...

الله عليك
حلو قوى التناص والتوازى ده يا ابوحميد ,, تكثيف واسقاطات وشغل على ابوه
))

تسلم

ساعه الغروب said...

يااااااااه ؟؟؟


ازاى بجد يا احمد؟؟
وازاى تسيب النهايات كدا

مش عارفه بجد اجمع حسانى تهت او يعنى مش عارفه الاقى الكلام

بجد بوست رائع فعلا

فيه كتييييييييييير من المعانى والمشاعر بجد

شكرا ليك استحملنى لو جيت مره تانيه اعلق

!! !! !!
عايزه بس اجمع وابقى اعرف ارد صح

!! !! !!

همسات said...

ايه ااحمد دى صعبة اوى كلها وتوجع بجد
بس بجد كل قصة قصيرة من دول كانت عايزة بوست لوحدها
كلهم حلوين اوى
اكتر اتنين عجبونى اوى الاولى والاخيرة
احلى اتنين فعلا
خليك على طول كدة ومش تغيب عننا بكتاباتك الجميلة دى تانى
على فكرة التمبيليت اللى فات كان تحفة
:)

أحمد عيسي said...

وعشان منتاخرش زي كل مرة نقول السلام عليكم اولا و

مها:اذيييييييك يامها؟
تحليل عبقري بجد
اللحظات دي هي اللي بتفرق في حياة اي حد..لما تستني تليفون يطمنك علي حد غالي عليك وانت متعرفش اذا كان فعلا حيتصل ولا لا..
بصي بلاش اعلق علي كلامك..كلامك احلي من اي كلام بصراحة


احمد باشا:يعني مفيش مرة تقولك كلمتين اكتر يعني...امال يا اخي لو مكناش....يلا ماعلينا بس نورتني
وجامد اللوك الجديد يامعلم


زيفاجو:ايه رايك يامعلم؟انا عارف انك بتحب الحاجات دي
والتناص والتوازي ايه ياعم الكلام الجامد ده..ده كلام نقد علي كبير وانا ياعم غلبان علي قدي
بس نورتني
ومتقطعش بقي


رودي:طيب يعني انا استني لحد متردي تاني
متعلقينيش بقي انا مستني
لسة مستني
ايه ده انتي اتاخرتي كدة ليه؟


همسات:والله يابنتي ليكي وحشة
اذيك اخبارك ايه
المشهد الاخير مشهد الطبيبة ده حل العقدة
دي اللي عندها الختام
المناضل الفلسطيني في الاول كان عايز يرجع عشان يكلمها
الشاب مكنش بيرد علي حبيبته عشان كان في حالة حرجة عندها
حقيقة انا وقفت كتير لاني لقيت منتهي القسوة عليها
هي الوحيدة اللي حستها قوي وانا بكتبها لانها فعلا صعبت عليا
بس تعالي هنا اوعي تكوني مأخدتيش بالك ان الاربع مشاهد مرتبطين ببعض؟ منوراني دايما وابقي تعالي
التيمبلات اللي فات؟

esraa said...

ياااااه ياحمد

ترتيب الأحداث بالعكس كان جميل في الجزئين الأولنين


بجد حسيت انهم قدامي , واني شايفاهم

جميله حقيقي ياحمد (:

همسات said...

تصدق والله انى طلعت غبية ومش خدت بالى انهم مرتبطين ببعض
كان لازم اقراهم تانى
:)
بس ده مش يمنع ان كل جزئية فيهم تنفع قصة قصيرة لوحدها
ويمكن كمان الترابط اللى بينهم مش متماسك اوى خاصة ادام الناس اللى زيي اللى مش بتفهم اوى
:)
بس بوست حلو يااحمد
template
تمبيليت
فهمتنى
:)

أحمد عيسي said...

اسراء:اذيك يا اسراء ايه اخبارك
أأأأ....أأأأ..مش عارف اقول ايه
شرفتيني يا اسراء

همسات:انتي قفشتي ليه واخدتيها جد؟
انا اسف لو كنت هزرت معاكي بطريقة انتي مش بتحبيها بس فعلا كنت بهزر
وبعدين دانتي ست الكل متقوليش علي نفسك كدة تاني..وجايز فعلا الربط اللي بين الاربع مشاهد مش واضح قوي
يعني الغلط عندي
وليكي عندي حق عرب
بس مش حقولك امتي بقي..
تعالي وانتي تعرفي

همسات said...

انا مش اقدر اقفش منك يااحمد
انا كمان بهزر
دانت باشا لا يمكن ازعل منك والله
:)
طبعا هاجى على طول مش عشان اعرف عشان اتعلم من اسلوبك العالى ده
:)

أحمد عيسي said...

همسات:
عشان اتعلم من اسلوبك العالى ده
ولا عالي ولا اي حاجة وانا مجرد هاوي علي قدي قوي
و مش حفرح لما يبقي حتي اسلوبي عالي زي مبتقولي واخسرك
انتي من الناس اللي بجد بعزهم وبحترمهم وبحترم كتاباتهم جدا
وبرضه لسة ياستي الغلط عندي
ولسة ليكي عندي حق عرب
ومش حقولك امتي
وحتيجي برضه عشان تعرفي

buffy said...

gmel as usual ya ahmed

أحمد عيسي said...

بافي:بالرغم من كلامك القليل ده متعرفيش بيبسطني وبستناه قوي يا نهي

mariamagdolen new said...

الله عملك جميل جدا فية بساطة وانسيابية مشفتهاش قبل كدة وكنت بقراء وانا مستمتعه وكل سطر كان بيشدنى اقرى اللى بعدة

أحمد عيسي said...

ماريا ماجدولينا:شرفتيني ومتشكر جدا جدا بجد خصوصا ان اسلوبك انتي كمان هايل بجد
فيه اغنية ديسكو في التمانينات اسمها ماريا ماجدولينا بحبها قوي بس مش فاكر بتاعة مين...سمعتيها؟؟

بيجاسوس المصرى said...

عشرة على عشرة يا احمد
اكثر من رائع
و طريقة السرد بجد بجد فى غاية من الروعة و الجمال
فأنها قبل العاشرة فقد تكون بلحظات او دقائق او ساعات
فأنها قبل العاشرة رائع العنوان

أحمد عيسي said...

ميزو اذيك...ياعم ايه الكلام الجامد ده؟
شرفتني ياميزو