وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ

Wednesday, December 30, 2009

برعم الوردة


يموترجل الأعمال الملياردير وآخر كلمة يلفظها هي : (روزباد) أي برعم الوردة ... ترسلالصحف الأمريكية مندوبيها في تحقيق مرهق طويل لمعرفة كنه هذا الـ (روزباد).. يتحركون في كل إتجاه .. ما الذي مات الملياردير وهو يتمناه ؟ .. هو الذي أنشأ جنةصناعية كاملة اسمها (زانادو) فيها كل ما يشتهي .. في نهاية الفيلم نكتشف أن (روزباد) هي الزحافة التي كان يلعب بها في طفولته والتي اضطرت أمه لبيعها .. هكذاكبر الملياردير وامتلك أمريكا ذاتها لكنه ظل يتحرق شوقًا في عقله الباطن للعب بتلكالزحافة الصغيرة !... هذه هي القصة المؤثرة لفيلم (المواطن كين) تحفة (أورسونويلز)، والذي يحكي قصة حياة ملك الصحافة الأمريكي (راندولف هيرست)... 

عندنافي العامية المصرية نقول: "اللي ما شبعش على طبلية أبوه عمره ما يشبع".. وهو يفسرحالة الجوع النهم لدى كل هؤلاء المليارديرات الذين يملئون المجتمع المصري اليوم ولايشبعون من النهب أبدًا .. السبب ببساطة أنهم لم يشبعوا في طفولتهم ..

ينطبقالكلام على المال ..

ينطبق على الحنان ..

ينطبق على الحب ..

¨¨¨¨¨¨¨

كان يحبها بحق .. تلك الرائحة الوليدة للعواطفالقادمة لتوها من المصنع بعد فك السيلوفان .. هذه أول مرة تستعمل فيها قلبك .. هليعمل جيدًا ؟.. تذكر أننا ما زلنا في فترة الضمان .. رائحة المطر في الهواءوالسكاشن التي تنتهي قبل الغروب .. والشعور الأليم بأنها ستنفد ..

السمراءالمرهفة الرقيقة ذات عيني الغزال .. كان يملك تلك القدرة السحرية على رؤية الجمالفي صديقة البطلة .. الحمقى ينظرون بإعجاب للبطلة، ويفوتهم أن يروا ويفهموا الكنوزالتي لدى صديقتها الخجول الصموت .. عندما تقترب أنت وتنحني أمام العرافة المقدسةوتخبرها كم هي رائعة . كم هي أسطورية .. عندها تستحق وحدك أنهار اللبن والعسل التيادخرتها لأول من يلاحظ ذلك .. أول من يدرك أنها أروع من صديقتها المفتعلة الملطخةبالأصباغ .



ويقول رفاقي: لن تفلح

ويقول رفاقي: هل تنجح ؟

أن ترقى درجات المذبح

وتبث الكاهنة العظمى

ترنيمة شجوى لا تبرح؟




كان يحبها في صمت ثلاثة أعوام، وفي حفل أسرةالكلية بمناسبة نهاية العام طلبوا منه أن يلقي قصيدة .. مال على الفتى الذي يعزفالأرغن الكهربي وطلب منه أن يتابع القصيدة بلحن (أرانجويه).. سأله في غيظ : إنتعاوز تقول قصيدة والا تغني ؟...

لن يفهم ..

وقف وبصوت مرتجف وعلىخلفية اللحن الرهيب، خرج الصوت متسربًا لأوتار قلوب الجالسين .. لو كان صوتًاواثقًا أو أكثر ثباتًا قليلاً لما أحدث هذا التأثير .. كان صادقًا وقد تلقى الجميعالإشارة بذلك .. كانت روحه هي التي تتكلم ..



ومهما كنت أو صرت .. أحبك مثلما أنت

فلا تتغيري أبدًا .. وكوني دائمًا أنت

..........................................

بعيدًا أنت تنسابين والأنظار تفترسك

وداعًا طفلتي السمراء حقًا سوف افتقدك ..



بعد الحفل تدنو منه لتقول له في لطف: كنت رائعًا .. يتراجع للخلف ويضرب الجدار بظهره شاعرًا بأنه يذوب في الأبدية .. وفي سرهيهمس:
جاءت لتهمس : قد أجدت ..

فيا ملاكي رفرفي !

لو أنها كانت تعي ..

أني احترقت كما الذبابة في لهيب تلهفي !



يقول لها وهو يوشك على الإغماء:

ـ"القصيدة ديكانت لك !"

تقول وهي تنظر في عينيه:

ـ"ما انا عارفة!"

ألهذايطلق الفرنسيون على الحب اسم (الميتة الصغرى) ؟.. أنت تموت فعلاً ..


تبدأ أيام الحلم ...

أطفال تغمرنا النشوة

نتبادل ألفاظًا خجلى ..

ألتذ براءة ضحكتها..

أجتر عبير سذاجتها..

وتجاهد كي تبدو أنثى

وأكافح كي أبدو رجلا !

...............

إني أهواها .. تهواني ..

يكفيها هذا .. يكفيني ..



ككل قصة حب أخرى لابد أن تفنى .. تفنىبالفراق أو الزواج .. المهم أنها تفنى .. كان هو الذي أدرك أن الحب جميل لكن تبعاتهمستحيلة قاسية .. حسابه في المصرف بضعة جنيهات .. إنه طالب لم ينه دراسته بعد .. والده مدير شركة كبرى لكنه مدير شركة لم يختلس قط، لذا كان حسابه في المصرف أسوأ منحساب صاحبنا .. لماذا أطلب منك الانتظار من أجل حلم قد لا يكون أبدًا ؟.. صديقاتكيظفرن بالزيجات الثرية .. صديقاتك ينلن كل شيء .. فرسان الأحلام يحلقون في السماءمن حولكن .. أنتن كبيرات ناضجات أما نحن فبعد أطفال نتلقى المصروف من آبائنا،ونتشاجر على لفافة تبغ وجدناها في درج أحدنا .. طيري مع صديقاتك .. طيري .. أتركينيهنا في الوحل .. ولا تعودي أبدًا ..

تبكي .. تدفن عينيها الجميلتين فيمنديلها فيصرخ فيها: طيري !!... طيري !

اليوم يعرف كم كان حكيمًا في قرارههذا عندما لم يستطع أن يتزوج إلا بعد سن الثلاثين ..


من دونك لن أزعم أبدًا أني أتنفس من دونك ..

من دونك أهذي .. أتثاءب .. أكتب أوراقًا .. أتعثر ..

ولبضع ثوان أتمادى ..

ولبضع قرون أتقهقر ..

أحيانًا أضحك .. أتناسى

أهمس ألفاظًا وسنانة ..

وأخط عبارات الشكوى من فوق جدار الزنزانة ...



يمر أمام بيتها في شارع النحاس كما فعل ألف مرة منقبل .. هذه المرة يرى بوضوح باقة الأزهار في شرفتها بالطابق الخامس ... رسالة صامتةبليغة:


وكانت باقة الازهار تنظر لي من الشرفة ..

لقد كانت تواسيني ..

تفتش في قفار العطف عن لفظ يعزيني ..

ورغم ضراوة الأشواك قد أحسست بالألفة ..

لقد كانت تصارحني بما قد كان في أمسي ..

ولم تجهل حكايا الوهم .. والآهات واللهفة ...


¨¨¨¨¨¨¨

لماذا يتذكر هذا الآن ؟.. منذذلك الحين كف عن كتابة الشعر .. اكتسب هذا الاكتئاب الساخر مع تلك اللمسة المتعبةالتي يعرفها كل من قابله .. إنه يتذكر .. كان هناك حب حقيقي حريف في حياته وقداكتملت عناصره، لكنه ضاع للأبد ... ربما يشعر بدنو النهاية .. ربما يهمس وهو يرىعباءة الموت تظلل عينيه: برعم الوردة .. روزباد ... عندها لا تتساءلوا كثيرًا ياسادة ...

مهما حقق صاحبنا من نجاح أو انتصار .. مهما شاب شعره ... مهمااكتسب من حكمة .. فهو لم يتذوق الوجبة الوحيدة التي اشتهاها حقًا


بقلم:احمد خالد توفيق

No comments: